ثقافة بن سلامة تفكّك علاقة بورقيبة بالتراث، واختلافه عن أتاتورك وتصرّح "هو ليس شخصا هدم الماضي بمطرقته بل كان مسكونا بهاجس الخوف من التفكك"
نظّم المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة" أيّام 1-2-3 جوان 2023 ندوة دوليّة عنوانها بورقيبة المؤسّس، وذلك بالشراكة مع جمعيّة الدراسات البورقيبيّة والأرشيف الوطني التونسي.
وقد تضمنت الندوة مداخلات حملت قراءات وتحاليل وشهادات حول "بورقيبة بوصفه الزعيم المؤسس"، قدمتها نخبة من الأكاديميين والباحثين والسياسيين والإعلاميين من تونس، ومن عديد الدول، ومن الجامعات العالميّة المنحدرين من سياقات فكريّة مختلفة..
وكان من بين المحاضرين في هذه الندوة الدولية، الجامعية والمديرة السابقة لدار الكتب الوطنية رجاء بن سلامة التي قدمت مداخلة بعنوان "بورقيبة والتراث" عددت فيها في البداية وفي إطار الحديث عن مسألة التراث نقاط اختلاف الحبيب بورقيبة عن مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة مبيّنة النقد الذي وجهه بورقيبة لأتاتورك -وهو الذي لم يكن حداثيا مثله- حيث قال عنه في المحاضرة الثالثة في تاريخ الحركة الوطنية أنه فضّل تقليد الحياة في باريس وجرّد الدولة التركية من كل صفاتها الدينية وجعلها لائكية لا تعترف بالأديان..
وأضافت رجاء بن سلامة أنّ بورقيبة لم يكن التونسي الوحيد في نقده لأتاتورك فقبله سخر منه الكاتب محمود الدوعاجي في جولته التي نشرها على حلقات بداية من سنة 1934، سخر تحديدا من فرضه القبعة الايطالية والقبعات الاوروبية بدلا من العمامة...
وتساءلت الباحثة بن سلامة عن العلاقة بين التقاليد البالية والتراث، وكيف كانت علاقة بورقيبة بهذه وتلك وعن "كوكتال" الحداثة والتقاليد الذي أراده بورقيبة والذي لم يرده، مشيرة إلى أنه يمكن أن نميز بين النظام القديم الذي تتداخل فيه علاقات السلطة وهو النظام الذي فككه بورقيبة وبين التراث الذي بقى مختلفا عن علاقات السلطة.
واعتبرت أنّ النظام القديم قد كرّس هيمنة من بأيديهم السلطة، أمّا التراث فتعلق بالماضي لكن مع نقص في فاعليته على أرض الواقع وتغير في وظيفته وضربت في هذا الإطار مثالا يتعلّق بمسرح الجم حيث كانت وظيفته في الماضي مرتبطة بالطقوس الجنائزية والمصارعات لكن اليوم رغم بقائه تراثا إلّا انّ وظيفته قد تغيّرت وفقد شيئا من فاعليته التي كانت مرتبطة في الماضي بالسلطة وبالسياسة امّا اليوم فأضحى يقدّم عروضا موسيقية.
بورقيبة كان فاعلا في التاريخ لكنه كان أيضا نتاجا للتاريخ في نفس الوقت
وفيما يخص علاقات السلطة، أكّدت الجامعية بن سلامة أنّ بورقيبة فكّك علاقات السلطة القديمة وكسر منظومة قوامة الرجال على النساء وحدّ من هيمنة الرجل من خلال مجلة الأحوال الشخصية فضلا عن إلغائه الملكية سنة 1957 والمحاكم الشرعية وتفكيكه للنظام الديني القائم آنذاك وإلغائه كذلك المحاكم اليهودية سنة 1957...
هذا الى جانب تفكيكه منظومة الأوقاف سنة 1958، الا انه خلافا لكمال أتاتورك لم يشرع بورقيبة على مستوى التقاليد والعادات في فرض عملية "تغريب وأوربة" كما انه لم يتدخل بصفة إقصائية عنيفة قائلة "ربّما كان بورقيبة سياسيا واقعيا قبل كل شيء وربما كان كمال أتاتورك ثوريا دوغمائيا قبل كل شيء".
تضيف رجاء بن سلامة في ذات مداخلتها "بصفة عامة تشعّبت علاقة بورقيبة بالتراث وكانت أقرب إلى الإيجابية منها إلى السلبية.. بورقيبة لم يُرد هدم كل مظاهر الماضي فهو ليس شخصا يهدم الماضي بمطرقته بل كان صاحب توافقات في هذا المجال وقد أوصى في النص الذي كتبه وسُمّي بـ Le testament intellectuel de Bourguiba بأن ننزّل أقواله في سياقها التاريخي وهو نص اعتبر فيه بورقيبة لمرتين بأنه كتاب.. وهو إذن كتاب شرع بورقيبة في كتابته.. وبالتالي سأشرع في ما أراده لأنه فاعل في التاريخ لكنه نتاج للتاريخ في نفس الوقت"...
وذكّرت رجاء بن سلامة في إطار التزامها بمبدأ تنزيل أقوال بورقيبة في سياقها، بأن التراث في أقسامه المادي واللامادي ومعانيه المعروفة اليوم لم يكن متبلورا في السبعينات وفي بداية الثمانينات، كما أنه لم يكن موضوع سياسات عامة وتشريعات واستراتيجيات فاتفاقية اليونسكو لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لم تظهر إلا في نهاية حكم بورقيبة. كما أنّ مجلة حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية لم تصدر في تونس إلا في عهد بن علي تحديدا سنة 1994، فيما لم يتبلور مفهوم التراث اللامادي إلا بعد أن صدرت اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي غير المادي في سنة 2003 وبالتالي يجب علينا أن لا نظلم بورقيبة...
هكذا دافع بورقيبة عن حجاب المرأة إثر الإستقلال
وفي حديثها عن أوجه علاقات بورقيبة بالتراث، أبرزت الجامعية رجاء بن سلامة أنّ الوجه الأوّل يتعلّق بنَسْبِ بورقيبة التراث إلى الشعب وإلى الدولة على اعتبار أن الدولة هي الترجمة القانونية للشعب وكذلك قيامه بعملية علمنة (sécularisation )، وهنا ذكّرت المحاضرة بدفاع بورقيبة بعد الإستقلال عن حجاب المرأة معتبرا إياه مكوّنا هوويا يجب أن نتمسك به حتى لا تبتلع التونسيين حضارة المستعمر وكان هذا هو شأنه في قضية التجنيس أيضا...
وعادت في هذا الهامش الى نص حبّره بورقيبة سنة 1936 على أعمدة جريدة العمل، معتبرة أنه أكّد من خلاله بأن الشعب هو صاحب التراث وأشارت إلى استعماله كلمة "التراث الروحاني" وتحدّثه عن حلقة من حلقات معركة التجنيس وعن إتيان المستعمر بالدبابات أمام مقبرة الجلاز مع وجود جنود سينيغاليين وكيف عاب على ممثلي اعضاء المجلس الكبير عدم تدخلهم وهم يشاهدون الاعتداء على التراث الروحاني للتونسيين دون الحديث عن دياناتهم.
بورقيبة كان فاعلا في عملية علمنة مهمة
وأفادت بن سلامة في إطار استحضارها لبحث سابق قدّمته، أن كلمة تراث استعملت منذ القديم ثمّ شهدت قطيعة كبرى ونقلة نوعية في العصر الحديث مبرزة أنّ هذه الكلمة كانت تستعمل في سياق ديني أو أسري (الإرث الذي يتركه الرجل لأسرته) ولم تستعمل بمعنى ما يرثه المواطنون في المجال العام إلا في العصر الحديث، مستنتجة بأنه قد ظهر على ركح التاريخ طرف ثالث ألا وهو الشعب أو الدولة والذي أصبح التراث ينسب إليه خلافا للعهد القديم..
وبيّنت رجاء بن سلامة أنّها وفي بحث سابق أعدّته، أبرزت أن كلمة شعب أصبحت تستعمل في العصر الحديث في السنوات العشرين بمعنى غير الديني وهي الكلمة التي خلفت كلمة الأمة بالمعنى الديني.
وصرّحت بن سلامة بأنّ "بورقيبة كان فاعلا في عملية علمنة مهمة وقد تكرر فعل العلمنة بعد الاستقلال تحديدا سنة 1967، حيث كان قد أصدر أمرا بتجميع كل المخطوطات الموجودة في المساجد والزوايا ومكتبات الدولة ومكتبات جامع الزيتونة التي كانت تظمّ 33 مكتبة وأمر بإيداعها بدار الكتب الوطنية وهو ما جعل هذه الأخيرة تتوفر على إحدى أهم المخطوطات العربية في العالم"..
يوغرطة الذي نجح...
وفي ما يخصّ ثاني مظاهر أو أوجه علاقة بورقيبة بالتراث، اعتبرت رجاء بن سلامة أنه كان حافظا ومرمّما وموحدّا بين التراث العتيق والتراث الإسلامي، وقد تمّ في عهده الشروع والقيام بالعديد من الحفريات لاستخراج معالم دقة وهنشير الفوار قرب باجة كما تم بناء فنادق حول المواقع الاثرية فضلا عن استلهامه رموز العهد البونيقي والعهد الروماني.
ويتجلّى ذلك من خلال شعار الحصان في مهرجان قرطاج الدولي وشعار التانيت في أيام قرطاج السينمائية، مقابل عدم تماهيه مع شخصيات العصر الإسلامي فلم يقل لا "أنا علي ابن ابي طالب ولا عمر ابن الخطاب" بل انّه تماهى مع ماسينسا وخاصة مع يوغرطة واعتبر نفسه "يوغرطة الذي نجح"..
أما الوجه الثالث من علاقة بورقيبة بالتراث والذي أسمته الباحثة رجاء بن سلامة بالتضاعف التوثيقي والتأريخي من خلال عودتها لنص كتبه بورقيبة بمناسبة جلاء آخر جندي فرنسي عن بنزرت يوم 15 أكتوبر 1963 والذي تحدّث فيه خلاله بورقيبة عن مشهد اعتبره حضاريا معتبرا أنّ الصور التي التقطت ستبقى في مخبئات الدولة..
وتواصل رجاء بن سلامة فتضيف "هنا كتبت لم يبقى بورقيبة غارقا في الحاضر كالدودة في التفاحة، بل كان وهو يصنع التاريخ يكتبه ويحرص على أن يكتبه شخص آخر.. وهو يصنع التاريخ كان أيضا يصنع معه ما سيكون تراث المستقبل"...
أما عن رابع أوجه علاقة بورقيبة بالتراث، بيّنت الدكتورة رجاء بن سلامة أنّه يتمثل في الانتقائية والفلكلورية لبعض مظاهر التراث المتصّف اليوم باللامادي هذا التراث الذي يتناقل عبر الاشخاص كمهارات تقاليد شعبية وأشعار إلخ، مؤكدة أن بورقيبة كان يهتم بالشعر الشعبي الذي استعمل مختلف لهجات البلاد ووظفه لصالحه في العكاضيات التي كانت تقام بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاده وكيف كان يلبس الجبة التقليدية ويحتفل بالمولد النبوي وبصلاة العيدين وحفاظه على جانب كبير من مراسم الدولة في عهد البايات..
وفي ما يخص نظرة بورقيبة للباس التقليدي، بيّنت بن سلامة بأن بورقيبة أخضعه الى ما أسمته بـLa folklorisation على اعتبار دعوته بأن تكون الملابس التقليدية مقتصرة على المساجد وأيام الأعياد أو حضور الحفلات او استقبال الرئيس الى غيرها من المناسبات الأخرى...
علاقة بورقيبة بحجاب النساء
وعادت المحاضرة إلى مسألة حجاب النساء، فأكّدت في مداخلتها انّ بورقيبة لم يستعمل حججا دينية بل قال أن الحجاب يمنع النساء من الإنطلاق، وكان يعتبر أنّ الملابس التقليدية -مثل البرنس- تساهم لطولها في عرقلة الحركة والعمل وبالتالي فهو لم يجبر التونسيين عن التخلي عن الجبة والبرنس وإنما خصّص ارتداء هذه الملابس التقليدية في مناسبات معيّنة..
في ذات السياق صرّحت بن سلامة "يمكن أن نعيب على بورقيبة احتقاره لبعض مظاهر التراث اللامادي مثل غناء المزود، بل يمكن أن نقول ان احتقار التعبيرات الشعبية المخالفة لفنون المدن وتقاليدها كان منتشرا في البلاد فمن ولد في الحاضرة وفي بعض المدن الكبرى بعد الاستقلال استبطن احتقار من يتكلمون بلهجة مخالفة واحتقار لعبة الخربقة واحتقار الوشم على اجساد النساء ولباس الملية والشخصية الزنجية إلخ."..
ونوّهت في هذا السياق إلى ما أنجزته دار الكتب الوطنية في السنوات الأخيرة تحديدا في إعادة نشر كتاب الأزياء النسائية التقليدية في تونس الصادر سنة 1978 وهو من أهم المؤلفات التراثية، حيث ترجمته الى اللغة العربية سنة 2021، مشيرة في استغراب إلى أنه قد تبين احتواءه على مسح شامل للباس التقليدي في كامل الجمهورية باستثناء سيدي بوزيد وتالة والقصرين...
لا يمكن أن نطلب من بورقيبة القفز على زمانه
وأضافت "لا أدري إن كان بإمكاننا أن نعيب على بورقيبة كذلك عدم عمله على إبراز الثقافة اليهودية والمذهب الإباضي وعدم الإعتراف بوجود البهائيين في تونس منذ سنوات العشرين من القرن الماضي، إلى جانب عدم العمل دستوريا على مقاومة العنصرية وعدم العمل في إطار المنظومة التعليمية على ترسيخ احترام الأقليات.. فهو كما قلت فاعل في عصره لكنه كان نتاج عصره"...
وختمت المديرة السابقة للمكتبة الوطنية مداخلتها قائلة "ما أميل إليه هو التأكيد بأننا لا يمكن أن نطلب من بورقيبة القفز على زمانه سيما أنه كان مسكونا بهاجس الخوف من التفكّك، لذلك يجب علينا نحن ان ننهض بعبء زماننا وأن نخرج من هاجس الخوف من تفكك الوحدة الوطنية نحو العمل على الادارة السلمية والديمقراطية غير الكئيبة لاختلافاتنا وصراعاتنا."
منارة تليجاني